نهاية العالم تبدأ من مصر في X-Men: Apocalypse

من الطريف أن أكثر مشهد ثبت في ذاكرتي من فيلم المغامرات “الرجال إكس: نهاية العالم” المعروض حاليا، لا يتعلق بأكشن أو إبهار أو دراما أو خلافه، ومن المرجح أن أغلب المشاهدين لن يلاحظ نقطة تميزه.

في المشهد يظهر مجموعة من شخصيات الفيلم أثناء خروجهم من السينما عام ١٩٨٣ بعد مشاهدتهم للجزء الثالث من سلسلة حرب النجوم Star Wars، ليبدأ بينهم نقاش عما إذا كان الجزء الأول هو أفضل أفلامها أم الثاني. في نهاية النقاش يردد أحدهم باستهزاء “على الأقل كلنا متفقين أن الثالث هو الأسوأ”.

الجملة الذكية الساخرة صفعة مباشرة من مخرج الفيلم براين سينجر – الذي شارك أيضا في الكتابة – للجزء الأخير من الثلاثية الأولى من أفلام X-Men. الثلاثية التي لم يستطع أن يختمها، لارتباطه وقتها بإخراج فيلم لسوبرمان.

وهو المأزق الذي انتهى بتولي المخرج بريت راتنر المهمة بدلا منه في فيلم X-Men: The Last Stand الذي يسخر سينجر منه في هذا المشهد، ويصنفه كثير من الجمهور والنقاد فعلا، كالجزء الأضعف في السلسلة ككل.

xmen

كبرياء سينجر المجروح من فيلم راتنر لم يبدأ في ٢٠١٦. في الحقيقة بدأ في الفيلم السابق X-Men: Days of Future Past عندما قرر محو كل الأحداث التي شاهدناها في الفيلم الثالث الذي لم يخرجه، باستخدام حبكة ظريفة ومتماسكة تعتمد على السفر عبر الزمن!

هذا القرار الذي أراد به إسقاط فيلم ٢٠٠٦ تماما من أذهان المشاهدين ومن تاريخ السلسلة، يعكس بالتأكيد تقديره لنفسه باعتباره الأب الروحي الوحيد لها، ولا عجب في ذلك.

عندما تولى سينجر المهمة في الفيلم الأول الذي تم عرضه في صيف سنة ٢٠٠٠، لم يكن العالم كما نعرفه الآن. الفاصل بين أفلام القصص المصورة كان من الممكن أن يمتد لـ ٣ و ٤ سنوات، والإخفاق الذي حدث مع أفلام سوبرمان وباتمان الأخيرة وقتها، بالإضافة لأفلام أخرى، كاد أن ينسف تماما مستقبل القصص المصورة في هوليوود.

بصفر من نجوم الشباك، وميزانية متوسطة نسبيا لفيلم من هذا النوع، نجح X-Men في أن يصبح مفاجأة صيف ٢٠٠٠ في شباك التذاكر. نال إشادة نقدية أيضا، وأعاد عالم القصص المصورة بقوة لمكاتب المنتجين في هوليوود. باقي القصة نعرفها مع النجاحات المتتالية لأفلام القصص المصورة المستمرة حتى اليوم.

xmen2

نقطة قوة براين سينجر وأفلامه الأولى في السلسلة، تنبع من جودة بناء الشخصيات، واختياراته الجيدة جدا للأدوار الرئيسية فيها (أو ربما حظه إذا نسبنا الاختيارات لغيره).

بمعايير اليوم وربما بمعايير بدايات الألفية أيضا، يصعب تصنيف هذه الأفلام كأفلام ثورية بصريا، لكنها لا تزال محتفظة برونقها، بفضل قصصها وشخصياتها الجذابة، وطاقمها التمثيلي الذي ضم أسماء مثل إيان ماكلين، هيو جاكمان، فامكي جانسن، باتريك ستيوارت، هال بيري.. وغيرهم.

هذا النجاح في بناء الشخصيات وتمهيد دوافعها، أثمر سريعا عن سلسلة أخرى منفصلة لشخصية “ولفرين” مع هيو جكمان، واستمر أيضا كنهج ثابت عندما قررت شركة فوكس تنفيذ ثلاثية جديدة، بدأت عام ٢٠١١ مع فيلم “الرجال إكس: الدُفعة الأولى” X-Men: First Class.

نظرا لنقطة التركيز على الشخصيات والدراما، تضمنت الاختيارات الرئيسية الجديدة وقتها، ثلاثة وجوه شابة واعدة، جيمس ماكافوي، مايكل فاسبندر وجنيفر لورانس. شارك براين سينجر في كتابة وإنتاج الفيلم الأول عام 2011، وترك مهمة الإخراج لماثيو فون، قبل أن يعود في الفيلم الأخير عام ٢٠١٤ لمقعد المخرج.

الآن في ٢٠١٦ مع فيلم الختام للثلاثية الثانية، يبدو سينجر في أضعف حالاته منذ اللحظات الأولى للفيلم. البداية المضطربة التي دارت في مصر الفرعونية، لسرد قصة نشأة الشرير الجديد “أبوكاليبس” تعكس تنفيذ متواضع وعتيق على المستوى البصري بمعايير ٢٠١٦.

هذه المشكلة التي تعشمت في البداية أن ترتبط بالافتتاحية فقط، امتدت للأسف طوال الفيلم. في عدد كبير من المشاهد تبدو الشخصيات منفصلة عن الخلفيات، بشكل لا يليق نهائيا بعمل بهذا الحجم الإنتاجي. وهو انفصال يزداد حدة وضرر مع الخدع البصرية المتواضعة، وتقنية العرض الثلاثية الأبعاد، التي أصبحت هنا عيبا إضافيا في حد ذاتها.

يمكن القول أن سينجر عاد هنا إلى الوراء، وهى نقطة تضرر منها الشرير الرئيسي أكثر من غيره. “أبوكاليبس” الذي يقوم بدوره ممثل مثل “أوسكار ايزاك” نعرف كلنا قدراته التمثيلية، لم يتضرر فقط من سوء التصميم، لكن يبدو إجمالا كنسخة منتهية الصلاحية من أشرار أفلام الخيال العلمي والسحر في الثمانينات والتسعينات.

لون أورجواني.. ماكياج ثقيل.. صوت غليظ.. عناصر يمكن قبولها والإشادة بها، في فيلم مثل “حراس المجرة” Guardians of the Galaxy احتفظ في تكويناته البصرية كلها، بتركيبة ألوان منسجمة جدا مع الشخصية. واحتفظ أيضا في إيقاعه الرئيسي بجانب مرح خفيف، منسجم مع هذه اللمسات الشبة كارتونية.

هنا في سلسلة “الرجال إكس” التي امتازت بطابع جدي منذ بدايتها، أصبح وجود “أبوكاليبس” نقطة انفصال مستمرة عن الأحداث، وهى نقطة تزداد سوء مع عباراته المسرحية المتكررة، وظهوره أحيانا بدون أي مبرر أو معنى. المقارنة بينه وبين ماجنيتو/إيان ماكلين الشرير الرئيسي في الفيلم الأول، أو سترايكر/بريان كوكس في الفلم الثاني، تجعلنا نتحسر أكثر وأكثر على تراجع مستوى سينجر.

xmen3

في فيلم سينجر السابق عام ٢٠١٤ تضرر الفيلم من غياب شرير رئيسي قوي محرك للأحداث، لكن تكفلت باقي التركيبة التي تضمنت سفر عبر الزمن، ولقاء مع فريق الثلاثية الأولى، بتفجير دراما وصراعات مشوقة.

هنا يبدو سينجر تائها وغير محدد الوجهة. حبكة فرعية ثم حبكة فرعية ثانية ثم ثالثة، دون الإمساك بإطار متماسك. بعض المقاطع تم تنفيذها دراميا وبصريا بشكل متقن، وأهمها مقطع يخص ماجنيتو/مايكل فاسبندر ونظرته العدائية ناحية الجنس البشري، لكن حتى مع جودة التنفيذ يبقى السؤال: هل نحتاج فعلا لتراجيديا جديدة، لنفهم تركيبة ماجنيتو نفسيا بعد كل ما شاهدناه سابقا؟

إعادة التدوير التي قام بها سينجر لا تتوقف هنا. مشهد “كويك سيلفر” مثلا، تكرار لما سبق في فيلم ٢٠١٤، مع تنفيذ أقل اتقانا على المستوى البصري، وتأثير أضعف إجمالا، لأن طريقة التنفيذ، فقدت تأثيرها المنعش المفاجئ الذي أمتعنا في الفيلم السابق.

سينجر فقد أيضا بوصلته الجيدة في اختيار الممثلين الجدد لشخصيات “ستورم “، “جين جراي” و”سيكلوب”. كلهم أقل حضورا من أبطال الثلاثية الأولى، ومن سوء حظهم أن الأحداث غير المترابطة، تجعل حضور هذه الشخصيات باهت أكثر وأكثر.

xmen4

جينيفر لورنس لم تحظى بمساحة تليق بنجوميتها الحالية، وظلت الشخصية بدون بصمة مميزة أو توظيف حقيقي طوال الفيلم. ولزيادة المساوئ فاز الفيلم بظهور شرفي لنجم، ولم ينجح المخرج في الاستفادة من هذا الظهور بأي شكل مؤثر. الظهور نفسه مقحم نسبيا على الأحداث، كما لو كان قرارا متأخرا ظهر بعد بداية التصوير، بفضل نجاح مفاوضات متعثرة!

عنصران فقط تقريبا يستحقان الإشادة في الفيلم. أولهما مايكل فاسبندر في دور “ماجنيتو”. إلى حد ما حظي بفرصة أفضل من زملائه على ضوء مساحة وتغيرات الشخصية، لكن تظل مهاراته كممثل، عامل أساسي في نجاة الشخصية مقارنة بالباقين.

العنصر الثاني هو فريق المونتاج مايكل هيل وجون أوتمان. عملهما لا ينقذ بالطبع فيلم متخبط السيناريو من الأصل، لكن في مشاهد الحركة على الأقل، يستحقان الإشادة كثنائي يعرف جيدا الحد الفاصل بين المونتاج السريع الذي يعوقك عن المتابعة أحيانا، والمونتاج السريع الذي يضيف حدة وإثارة دون السقوط في هذا الفخ.

كعادة بعض أفلام هوليوود التي دارت بعض أحداثها في مصر، تظهر الحوارات هنا بلهجة غير مصرية نهائيا، وهى نقطة تحتاج إلى تفسير، خصوصا أن عدد المصريين غير قليل في أمريكا غير قليل، والمسألة غير معقدة.

xmen5

بوصول الثلاثية الثانية إلى محطة النهاية، تبقى الأسئلة والاحتمالات مفتوحة بخصوص مستقبل السلسلة. مبدئيا انتهت تعاقدات جنيفر لورانس، مايكل فاسبندر وجيمس ماكافوي، ومن الصعب جدا على شركة فوكس أن تجد سيناريوهات مُرضية مستقبلا لهم، وأن توفر ما يكفي من ميزانيات لاستمرارهم، خصوصا مع أول اسمين، لأن كلاهما أصبح نجم أثقل بكثير، مقارنة بوقت تعاقده عام ٢٠١٠.

تظل الحقيقة المؤكدة هي وجود أفلام أخرى في الطريق، مع هذا الطاقم أو غيره. وفي انتظارنا مبدئيا فيلم ثالث لـ “ولفرين” عام ٢٠١٧ سيودع به هيو جاكمان الشخصية نهائيا طبقا لتصريحاته.

كيف ستسير الأمور مستقبلا بعد ذلك في عالم “الرجال إكس”؟.. لا توجد إجابات حاليا، لكن آن الأوان على ما أعتقد لاستبعاد براين سينجر من هذا العالم، سواء كمخرج أو منتج. الرجل ببساطة أخرج كل ما في جعبته.

xmen6

من المؤسف بعد بداياته الواعدة أن تظهر محطة النهاية بهذا المستوى. ومن المؤسف أكثر وأكثر، أن هذا حدث في حقبة يحاول فيها الكل التفوق على نفسه في عالم القصص المصورة.

أفلام “باتمان” ضد “سوبرمان” و”كابتن أمريكا: الحرب الأهلية” احتوت رغم عيوبها، على إطار بصري مبهر، وعناصر تشويق للأفلام القادمة. وبالطبع لا يمكن نسيان الفيلم الجريء “ديدبول”، كعمل منعش حطم الكثير من قواعد هذا العالم، على كافة المستويات.

مزحة (الفيلم الثالث هو دوما الأسوأ) التي استخدمها سينجر في مشهد للسخرية من فيلم ٢٠٠٦ ارتدت له بشكل أكثر حدة!.. “الرجال إكس: نهاية العالم” ليس فقط أسوأ أفلام الثلاثية الثانية، لكن أيضا أسوأ الأفلام الستة كلها.

xmen7

باختصار:

إعادة تدوير لكل ما سبق روائيا وبصريا، مع تنفيذ أضعف بصريا وأحداث غير متماسكة. بمعايير ٢٠١٦ الفيلم بالتأكيد عتيق الطراز، وبمعايير السلسلة سيصنفه الملايين باعتباره الفيلم الأضعف.

المصدر: في الفن